الشيخ محمد رشيد رضا
80
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تاب إلى اللّه تعالى خوفا من عقاب الآخرة . ولم يترك سعد عقابه محاباة كما ظن بل لأن الحدود لا تقام في حال الغزو ولا في دار الحرب والتعزير يرجع إلى الاجتهاد . والتحقيق ان عقاب السكر تعزير ، وأن سعدا أداه اجتهاده إلى ترك تعزير أبي محجن بعد ان بذل نفسه في سبيل اللّه وأبلى يومئذ ما أبلى ، ولا مطهر من الذنب أقوى من هذا . وهل يوجد في هذا العصر كثير من الناس يشابهون أبا محجن في قوة إيمانه وقوة عزيمته في دينه ؟ بعض العبر في الخمر من آيات العبرة ان الإفرنج الذين يستبيحون شرب الخمر دينا ويستحسنونه أدبا ومدنية ويصنعون منه أنواعا كثيرة يربحون منها ألوف الألوف من الدنانير في كل عام - قد ألفوا جمعيات للنهي عن الخمور والسعي لإبطالها . وأقوى هذه الجمعيات نفوذا وتأثيرا في الولايات المتحدة الأمريكية ، ومن عجائب وقائع تقليد متفرنجي المسلمين للإفرنج ميل بعضهم إلى الدخول في هذه الجمعيات وتأليف الفروع لها في البلاد الاسلامية ، وما أغنى المسلمين عن تقليد غيرهم في هذا ! وما أجدرهم بأن يكونوا هم الأئمة المتبوعين ومن آيات العبرة فيها ان العرب كانوا يعدون من منافع الخمر الحماسة في الحرب وقوة الاقدام فيها - وقد ثبت عند الإفرنج ان السكر يضعف الجنود عن القيام بأعباء الحرب واحتمال أثقالها ، فقررت بعض الدول إبطال الخمور الوطنية الشديدة الرواج في بلادها - وأكثر انتفاعها المالي منها - مدة الحرب ، ولعل الدول كلها تجمع على هذا بعد ، ومع هذا كله لا يزال بعض المسلمين الجغرافيين يتململون من تحريم الاسلام للخمر ، ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) استدراكان [ الاستدراك الأول : الخمر نوعان ] ( الاستدراك الأول ) الخمر نوعان نوع يخمر تخميرا ، ونوع يقطر تقطيرا ، وأقوى الخمور سما وأشدها ضررا ما كانت مقطرة ، ويعبرون عنها بالأشربة الروحية